زكريا القزويني

183

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

يعرض لهما عارض من البرد واليبس قبل إنضاجهما انعقد ذلك مع طول الزمان الذهب الإبريز ، وإن كان الزئبق والكبريت صافيين ، وانطبخا انطباخا تامّا ، وكان الكبريت مع ذلك أبيض تولدت منه الفضة ، وإن أصابه قبل النضج برد عاقد تولد الخارصين ، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وفيهما قوة محرقة تولد النحاس ، وإن كان الكبريت غير جيد المخالطة مع الزئبق تولد الرصاص ، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وكان الزئبق متحللا أرضيّا والكبريت رديئا تولد الحديد ، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وكانا مع رداءتهما ضعيفي التركيب تولد الأسرب ؛ فبسبب هذا الاختلاف اختلف أنواع الجواهر المعدنية ، وهي العوارض التي تعرض لها من كمية الكبريت والزئبق وكيفيتهما والذي يدل على هذه الأشياء كلها تجربة أهل الصناعة ، ولنذكر بعض عجائبها وخواصها العجيبة إن شاء اللّه تعالى . ( الذهب ) طبعها حار لطيف ، ولشدة اختلاط أجزائها المائية بأجزائها الترابية لا تحترق بالنار ، لا تقدر على تفريق أجزائها ولا تبلى بالتراب ، ولا تصدى على طول الزمان وهي لينة صفراء برّاقة حلوة الطعم طيبة الرائحة ، ثقيل رزين جدّا ؛ فصفرة لونها من ناريتها ، ولينها من دهنيتها ، وبريقها من صفاء لونها ، ورزانتها من ترابيتها « 1 » ، وهي أشرف نعم اللّه تعالى على عباده ؛ إذ بها قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق ؛ فإن حاجات الناس كثيرة ، وكلها تنقضي بالنقود فإن النقدين يباع بهما كل شيء ويشترى بهما كل شيء لرواجهما بخلاف سائر الأموال ؛ فإنها لا يرغب فيها كل أحد رغبته في النقود ، فإنهما كالقاضيين يقضيان حاجة كل من لقيهما ، ولذلك قال اللّه تعالى : يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) [ التوبة : 34 ] ؛ لأن المقصود منهما تداولهما بين الناس لقضاء حوائجهم فمن كنزهما فقد أبطل الحكمة التي خلقها اللّه تعالى كمن حبس قاضي البلد ومنعه أن يقضي حوائج الناس .

--> ( 1 ) فكّر في عزة هذا الذهب والفضة وقصور حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك ؛ فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم لكان لا محالة يستظهر ويستفيض في العالم حتى يكثر الذهب والفضة ، ويسقط عند الناس فلا تكون لها قيمة ، ويبطل الانتفاع بها في الشراء والبيع والمعاملات ، والإتاوة تجبى للسلطان ، والذخر تذخر للأعقاب وقد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبة من النحاس والزجاج من الرمل وما أشبه ذلك مما لا مضرة فيه . فانظر كيف أعطوا القدرة فيما لا ضرورة عليهم فيه ومنعوا ذلك فيما كان ضارّا لهم لو نالوه ؟ !